المسيحيون في لبنان قلقون برغم وضعهم المميز
بيروت (رويترز) - فر سامي أبي ضاهر مذعورا مع غيره من سكان قريته المسيحية ووقف يشاهد عبر الوادي المقاتلين الدروز الذين تدعمهم سوريا يحرقونها وينهبونها.
كان ذلك في عام 1983 حين أرغمت المعارك عشرات الالوف من المسيحيين على الفرار من تلال عالية والشوف قرب بيروت في أحداث دموية لاحقة للغزو الاسرائيلي عام 1982.
ولم يعد أبي ضاهر وهو عضو سابق في ميليشيا مسيحية للعيش في قريته رشماية قط ويعمل الان ويربي أبناءه الثلاثة في منطقة مسيحية في بيروت.
ولاشك أن الكراهية الطائفية أججت الحرب الاهلية اللبنانية لكن أبي ضاهر يرى أن أي خطر على المسيحيين انما يرجع الى تشابك وتعقيد الساحة السياسية اللبنانية أكثر مما يرجع الى الدين.
وما زال أبي ضاهر الذي يبلغ الان الرابعة والخمسين ويعمل مصففا للشعر ويشعر بالاستياء من الزعماء المسيحيين الذين يحملهم المسؤولية عن الكارثة التي لم تمحها جهود المصالحة تماما حتى الان.
وقال متهما الساسة المسيحيين وزعماء الميليشيات المسيحية السابقين بالمسؤولية عن الهزيمة في الجبل "سأقول لك شيئا. ان لم تؤذ الدروز فلن يأذوك."
وبعد مرور 20 عاما على الحرب الاهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990 ما زال المسيحيون يتمتعون رسميا بوزن لا يتناسب مع نسبتهم العددية في نظام اقتسام السلطة الطائفي في لبنان برغم تقليص نصيبهم بعض الشيء. وهم ليسوا معرضين لخطر محدد لكنهم كطائفة ضعفاء ومنقسمون.
وقال أبي ضاهر "لا وجود لرئيس مسيحي في أي مكان اخر في الشرق الاوسط. لكن في الوقت نفسه تصور ما كان يمكن ان يحل بنا لو حكم المسلمون."
ومع ذلك فهو ينفي أن المسلمين يمثلون أي خطر مهلك على المسيحيين قائلا "لا مشكلة بيننا وبين السنة والشيعة... المشكلة مع الساسة بالطبع."
وقد تبلغ نسبة المسيحيين ثلث السكان الذين يبلغ عددهم خمسة ملايين نسمة في لبنان لكن لهم نصف مقاعد البرلمان ومنصبي الرئيس وقائد الجيش.
غير ان اتفاق الطائف الذي وضع نهاية للحرب الاهلية نقل مزيدا من السلطة الى رئيس الوزراء وهو منصب يتولاه سني دائما ورئيس البرلمان وهو منصب مخصص للشيعة.
وتعرض نفوذ المسيحيين للتضييق أيضا خلال الهيمنة السورية على لبنان طوال 15 عاما بعد الحرب حيث كان الزعيم المسيحي المناهض لسوريا سمير جعجع سجينا والزعيم المسيحي ميشيل عون في المنفى. وكانت دمشق تختار فعليا المسيحيين الذين يشغلون مقاعد البرلمان والحكومة فضلا عن اختيارها للمسلمين في واقع الامر.
وحتى في الوقت الراهن يعتمد كثير من النواب المسحيين على أصوات المسلمين في الفوز بمقاعدهم نتيجة تعديلات القانون الانتخابي.
ويعاني المسيحيون من الفرقة في ظل التنافس بين ساستهم. ويؤيد بعضهم جماعة حزب الله الشيعية ويؤيد بعضهم الاخر كتلة رئيس الوزراء سعد الحريري السنية.
ولا يرى أبي ضاهر في فكرة التضامن بين المسيحيين في لبنان فضلا عن تضامنهم مع غيرهم من المسحيين في المنطقة سوى دعابة. ويقول ضاحكا " نحن مليون قطعة".
وتعترف كل الجماعات المسلمة الرئيسية في لبنان بأنه بلد ذو طبيعة تعددية. وحتى حزب الله وهو حركة اسلامية مؤيدة لايران يدعو الى التعايش مع المسيحيين ولا يحاول فرض القيود الاسلامية الايرانية النمط.
وقال عبد الله بوحبيب مدير مركز عصام فارس اللبناني وهو مركز بحوث عقد مؤتمرا بخصوص المسيحيين في الشرق الاوسط الشهر الماضي "السنة والشيعة يريدون للبنان ان يظل بلدا مسلما مسيحيا... ثمة تفاهم هنا لا وجود له في بقية العالم العربي."
ويعبر الساسة ورجال الدين المسيحيون عن قلقهم بخصوص امكان تاكل وجود طائفتهم في لبنان نتيجة انخفاض معدلات المواليد والهجرة برغم ان الباحثين يقولون ان الشيعة والسنة يهاجرون بمعدلات مماثلة. ويعزو خبراء السكان التباين في معدلات الخصوبة الى مستويات الدخل والتعليم اساسا وليس الدين.
وتمكن أبي ضاهر من جمع خمسة جوازات سفر على مدى السنين لكنه اختار في النهاية البقاء في لبنان. وعمل شقيقاه في السعودية وابنه في الكويت وقد عادوا جميعا الى بلدهم.
ولا يذهب أبي ضاهر الى قريته القديمة رشماية الا لرعاية المحصول في مزرعته لكن حياته في بيروت.
وهو لا يرى اي مستقبل في مكان اخر. ويقول مبتسما مشيرا الى شعره الابيض "أبنائي يمكنهم تدبر أمرهم أما أنا فقد تقدمت في العمر بحيث لم يعد لذلك فرق بالنسبة الي."
وأضاف مشيرا الى عدم الاستقرار المزمن في لبنان "أما بالنسبة الى الوضع فالامر لله. الى أين أذهب."
من أليستر ليون
© Thomson Reuters 2010 All rights reserved.

